الشنقيطي

380

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الذين يدعون التصوف في أقطار الدنيا إلا من شاء اللّه منهم دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف العقول من طلبة العلم ، ليتخذوا بذلك أتباعا وخدما ، وأموالا وجاها ، وهم بمعزل عن مذهب الصوفية الحق ، لا يعلمون بكتاب اللّه ولا بسنة نبيه ، واستعمارهم لأفكار ضعاف القول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين . فيجب التباعد عنهم ، والاعتصام من ضلالتهم بكتاب اللّه وسنة نبيه ، ولو ظهر على أيديهم بعض الخوارق ، ولقد صدق من قال : إذا رأيت رجلا يطير * وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف عند حدود الشرع * فإنه مستدرج أو بدعي والقول الفصل في ذلك هو قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 123 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ النساء : 123 - 125 ] ، فمن كان عمله مخالفا للشرع كمتصوفة آخر الزمان فهو الضال . ومن كان عمله موافقا لما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام فهو المهتدي . نرجو اللّه تعالى أن يهدينا وإخواننا المؤمنين ، وألا يزيغنا ولا يضلنا عن العمل بكتابه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم التي هي حجة بيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك . قوله تعالى : قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلَّا تَتَّبِعَنِ [ 92 - 93 ] . قال بعض أهل العلم : « لا » في قوله : أَلَّا تَتَّبِعَنِ زائدة للتوكيد . واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في « الأعراف » : قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ الأعراف : 12 ] قال لأن المراد : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك ؛ بدليل قوله في القصة بعينها في سورة « ص » : قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] الآية ؛ فحذف لفظة « لا » في « ص » مع ثبوتها في « الأعراف » والمعنى واحد ؛ فدل ذلك على أنها مزيدة للتوكيد . قال مقيده - عفا اللّه عنه وغفر له : قد عرف في اللغة العربية أن زيادة لفظة « لا » في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مطردة ؛ كقوله هنا : ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أي ما منعك أن تتبعني ، وقوله : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ بدليل قوله في « ص » : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ الآية ، وقوله تعالى : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الآية ؛ أي ليعلم أهل الكتاب ، وقوله فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [ النساء : 65 ] أي فوربك لا يؤمنون ، وقوله : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [ فصلت : 34 ] أي والسيئة ، وقوله : وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 95 ) [ الأنبياء : 95 ] على أحد القولين ، وقوله : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) [ الأنعام : 109 ] على أحد القولين ، وقوله :